عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
202
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ » . قيل : إنه تولى عنهم بعد موتهم لقوله تعالى : فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ فَتَوَلَّى و « الفاء » تقتضي التعقيب . وقيل : تولّى عنهم قبل موتهم لقوله : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ فدلّ ذلك على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه : [ الأول ] : قوله لهم : « يا قوم » ، والأموات لا يوصفون بالقوم ، لاشتقاق لفظ القوم من القيام ، وهو مفقود في حقّ الميت . والثاني : أنّ هذه الكلمات خطاب معهم ، وخطاب الميت لا يجوز . والثالث : قوله : وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ يقتضي كونهم بحيث تصحّ حصول المحبّة فيهم . ويمكن الجواب : بأنّه قد يقول الرّجل لصاحبه الميت ، وقد كان نصحه فلم يقبل النّصيحة ، حتى ألقى نفسه في الهلاك : يا أخي منذ كم نصحتك فلم تقبل ، وكم منعتك فلم تمتنع ، فكذا هاهنا . وفائدته : إمّا لأن يسمعه الحيّ فيعتبر به ، وينزجر عن مثل تلك الطريقة ، وإما لإحراق « 1 » قلبه بسبب تلك الواقعة ، فإذا ذكر ذلك الكلام فرّجت تلك القضية من قلبه . وذكروا جوابا آخر ، وهو أن صالحا - عليه السلام - خاطبهم بعد كونهم « جاثمين » ، كما خاطب نبينا - عليه الصّلاة والسّلام - قتلى « بدر » . فقيل : تتكلم مع هؤلاء الجيف ؟ فقال : « ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا يقدرون على الجواب » . وقيل : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره : فتولّى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي ، فأخذتهم الرجفة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 80 إلى 81 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 80 ) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 81 ) قوله تعالى : وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ القصة . في نصب « لوطا » وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « أرسلنا » الأوّل ، و « إذ » ظرف الإرسال . والثاني : أنّه منصوب بإضمار « اذكر » ، وفي العامل في الظرف حينئذ وجهان : أحدهما - وهو قول الزمخشريّ أنّه بدل من « لوطا » قال : « بمعنى : واذكر وقت إذ قال لقومه » وهذا على تسليم تصرف « إذ » .
--> ( 1 ) في أ : لاحتراق .